صوت العقل

نزغ من الشيطان

حوار داخلي بين "أنا" و "أنا"

” إن المريض النفسي الذي أهتم به أكثر؛ هو أنا “

عبارة كان قد قالها “فرويد” في رسالة له لصديقه المقرب Wilhelm Fliess سنة 1897 عندما كان قد وضع نفسه على الأريكة ليقوم بتحليل نفسي ذاتي .

سأقتبس منه تلك العبارة، وسأعدل فيها بعض الكلمات لتصبح على الوجه الذي أرضاه لها، وتتماشى مع ما أنا أهل له وأقول:

” إن الكاتب الذي أقرأ له وأهتم به أكثر؛ هو أنا “

من بين كل الكتاب على اختلاف أزمانهم وعلى اختلاف مجالاتهم ، وعلى اختلاف ألسنتهم ، ومواضيعهم وثقافاتهم ومراتبهم الادبية او العلمية ، ومن بين كل الادباء الذين يتغنى بهم التاريخ القديم والحديث ، فاني لم أجد الكاتب او الاديب الذي يفهمني ويكتب لي ما يتناسب مع ما أريده وأفهمه، واعشقه ، وانتقده أكثر من ” أنا ” .
سأحدثكم قليلا عن ” أنا ” رغم أني أعلم أنكم تعلمون أني أعلم أن هذا الكلام قد لا يعجب بعضكم ، لكن فإنه من الصواب ومن حسن الخلق والاخلاق ألا نكتم الشهادة أصحابها ، وأن نثني على أهل الفضل حتى نكون أبعد ما يكون من الجحود والعياذ بالله .

كلما شعرت بملل ولم أجد في الكتب ما يحيد عني هذا الملل ، رجعت لأقرأ ما جادت به مخيلة ” أنا ” ، فأسبح في بحر الافكار التي كان يحاول ايصالها للناس ، فأجد في ذلك حلاوة لا يستشعرها أحد غيري ولربما لا ينتبه اليها أحد ، فأجد أن ” أنا ” قال ما كان يروج في خاطري وما يسري في بالي ، فأتفق معه جملة وتفصيلا ، ثم تزداد الحلاوة والطلاوة عندما أتمعن في بلاغة اللغة رغم ما تحويه من حشو بعض الاحيان وأخطاء لغوية أحيانا أخرى ، لكن أعلم أن هناك حكمة أراد أن يوصلها لنا ” أنا ” … ” فأنا ” لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا ابداع يوحى ، ولو كانت من عند غيره ، لوجدتُني أكبر منتقديه “وكيف أن الكتابة أصبحت في مستوى يرثى له ؟وكيف تسول للناس أنفسهم أن يتطاولوا على الكتابة وهم يتخبطون في الاخطاء الاملائية ، او النحوية ، او في الركاكة التي تقشعر منها الابدان؟ ”

لكن مع “أنا ” أتجاوز عن كل هذا ، بل أصل الى القول بأنه وجب على فقهاء اللغة أن يستنبطوا قواعد جديدة في الدروس اللغوية ، لتتأقلم ومع ما كان يصبو اليه “أنا” أثناء ما ظنناه منه زللا .

الغريب يا سادة أني أعجبت بشخصية “أنا ” وأصبحت بدل أن أقرأ له أصبحت أتبعه في شخصه ، فألبس ما عرف عنه من لباس وآكل ما شيع عنه أنه يأكله ، وأمشي في الارض بمشيته ، برؤيته ، بالتفاتته ، بكلامه ، بصمته ، بتحيته ، بقانونه ، بفلسفته ، بدينه ، بشريعته بحبه ، بحياته ، به ، بكل ما يحيط به ، بكل ما يقرب اليه ، بكل ما يؤول اليه .

قررت أن أحدد موعدا مع “أنا” وسأمضي معه أروع الاوقات ، فأن تجلس مع من يفهمك أكثر ويعرفك أكثر ، ويفكر فيما يسرك ويفرحك ويسعدك ، ويحميك أكثر من سواك ، لأمر يُحسد عليه .

كنت أعرف مواعيده اليومية ، أعرف متى يكون منشغلا ، وأعرف متى يكون وحيدا وأعرف متى يكون مستعدا للنقاش ومتى يكون أبكما لا يكاد ينبس بكلمة واحدة …

في غرفة نومه يكون وحيدا متجردا من لباسه (بالمعنى الاعم) الذي يواري عنه مساوئه أمام الناس ، لا يتصنع ولا يزوق ولا ينمق في كلامه او سلوكياته ، او في مظهره ، تلك هي اللحظة التي ينسحب فيها الجمع ويبقى الواحد وتلك هي اللحظة التي أحببت أن أكون معه فيها .

دخلت عليه في غفلة منه وبدون استئذان وهو لاهٍ يفكر في أمر ما .. برزت أمامه كما يبرز قاطع الطريق أمام قائد القافلة ، وتراجع للخلف كمن يريد الفرار، فطمأنته وأظهرت أني لست بعدو ولست بالذي يريد به الضر ، وقد عجبت في الوقت عينه ، من كونه لم يعرفني ، فأردت أن أختصر الوقت حتى لا يزداد فزعه مني ولكي لا يزداد احباطي منه ، وقدمت له نفسي بعد أن اعتذرت عن الطريقة التي ولجت بها اليه .

أنا : مرحبا ، كيف حالك ؟ لقد اشتقت اليك
أنا : من أنت وما الذي تريده ؟
أنا : ألم تعرفني ؟؟ اني أكثر محبيك ومعجبيك ، كل الذي تأتي به يلهمني ،
أنا : لكن أنا لا أعرفك
أنا : حقا ! ألم يكن كل ما تكتبه وما تفعله وما تعيشه من أجلي ؟
أنا : ومن أنت لأفعل من أجلك كل هذا ؟
أنا : ألا تذكرني يا أنا ؟ ألا تذكر الطفولة التي أمضيناها معا ؟ وكيف أن كل ما تفعله كان من أجلي أولا ثم الاخرين ثانيا ؟ ألا تذكر أننا كنا نقوم بكل ما يحلو لنا ، وكنت تقول لي ان نفعل ما يرضينا ولا نلقي بالا لم سيقوله الاخرون ؟
بقي صامتا لمدة ليست بالقصيرة ، فيما كنت لا أزال أتكلم وأحاول أن أذكره بي ، وفي الاخير نطق بدون مقدمات واسترسل في الكلام .

أنا : كنا كيان واحد يا صديقي وتوالت علينا أيام جعلتنا نبتعد عن بعضينا ، لا أذكر كيف ولا ماهية الامور التي جعلتنا نبدأ بالابتعاد عن بعضينا ، كنت أنت تبتعد عني أكثر وكنت أنا أيضا أبتعد ولكن ليس بالقدر الذي تبتعد فيه أنت ، وكنت أرجع اليك فتتنكر لي ، ولم تعد تسمع لي بل أصبحت تضجر من رفقتي ، كل الذي آتي به لا يعجبك ، بقيتُ وحيدا فارغا ، فحملت عليك غلا وحقدا وقررت أن أتحرر منك ، بدأت أعبر عن نفسي بكل ما أتيح لي من قوة ، أصبحت أكتب للناس وأقرأ للناس وأخرج للناس وألبس للناس وأضحك للناس وأجلس للناس وآكل للناس … لقد سلمت نفسي للناس ، اصبحت عبدا للناس .

اعترف بي الناس ، وفي اعترافهم بي تكريسا وترسيخا لعبوديتي لهم ، لقد سرت مثالا للأغلال التي يمشي بها الناس .. انت في هاته الفترة لم تعرفني ولم تسأل حتى عن مصيري ، سلمتني للناس ، ولما عرفتني ؛ عرفتني بالناس ، هم من قالوا بأن هناك ” أنا ” من الجميل التعرف اليه ، فعرفتني وعرفت ما قدمته للناس وشعرت بأن شيئا يربطني معك غير أن هذا الرابط قطع منذ زمن بعيد ، ولئن أردت وصله ، فيجب أن تتقبلني كما عرفتني في الطفولة وليس كما عرفتني الان .

طرق أحدهم باب الغرفة، فانتهى النقاش ، واختفى ” أنا” ولم أحاول البحث عنه مرة أخرى لما سبب لي ما سمعته منه من ألم . واستعذت بالله السميع العليم من نزغ الشيطان.

تتنبيه : موقع amjd هجرة يمنع منعا كليا إعادة نسخ محتوياته كليا أو جزئيا سواء في مواقع أخرى أو على منصات التواصل الاجتماعي (الصفحات والمجموعات). كما يمنع اعادة استعمال محتوياته في فيديوهات اليوتيوب. وكل من أراد اعادة نسخ بعض محتويات الموقع، يجب أن يذكر المصدر برابط نصي واضح يحيل مباشرة الى المقال الأصلي الذي تم نسخه وفي حال عدم احترام هذا الشرط سنعتبر أي نسخ لمحتوياتنا انتهاكا لحقوق الملكية تعرض صاحبها للمتابعة القانونية وكذا التبليغ عن المخالفة للشركة المستضيفة للموقع وشركة Google AdSense


متابعي موقع أمجد يمكنم الآن التواصل معنا على الفيسبوك على هدا الرابط أو الدخول الى منتدى أمجد وطرح جميع أسئلتكم المتعلقة بالهجرة ، وسنجيب عليها في أقرب وقت ، ماعليكم سوى الضغط على اسأل أمجد الذي سيحولكم الى المنتدى مباشرة ، حيث يمكنكم التواصل معنا بسهولة أكثر 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock